الجزء الأول: المفاوضات التجارية من الدوحة إلى هونج كونج
Submitted by dina on Fri, 03/08/2007 - 18:10.( )
د. ياسر علوي أولا: منظمة التجارية العالمية والهزيمة التاريخية لمشروع الجنوب
من بين آليات ومنظمات العولمة الليبرالية التي تشكل معالم وضع دولي يتعين على شعوب الجنوب أن تخوض فيه نضالها من أجل عالم أكثر تحررا وعدالة وإنسانية، تمثل منظمة التجارة العالمية حالة خاصة تجعل من الممكن القول دون مبالغة أنها رأس حربة الهجمة الليبرالية الجديدة على عالم الجنوب، ومن ثم ساحة أساسية لأي نضال ممكن ضد عولمة السوق المنفلت. فمنظمة التجارة العالمية تمثل حالة استثنائية وخطيرة في التنظيم الاقتصادي الدولي. فهي أولا منظمة ذات ولاية متسعة، تشمل قضايا عديدة تتجاوز التجارة في السلع والخدمات إلى قضايا الملكية الفكرية، والجوانب البيئية المتعلقة بالتجارة، والقوانين الخاصة بدعم المنتجات المحلية وغيرها من الموضوعات. وولاية هذه المنظمة آخذه في الاتساع المطرد خاصة في ضوء سعي الدول المتقدمة لتضمينها العديد من الموضوعات الجديدة. ثم إنها كما يقال منظمة ذات أنياب، حيث تنفرد بين المنظمات الاقتصادية الدولية بجهاز قوي وملزم لفض المنازعات قادر على إصدار أحكام ملزمة للدول الأعضاء، الأمر الذي جعل الكثير من المبشرين بالعولمة ينظرون إليها باعتبارها النموذج واجب الاحتذاء لما يسمى بالحكم العالمي Global Governance. وقد كان إنشاء منظمة التجارة العالمية قبل أكثر من عشر سنوات إعلانا عن الهزيمة التاريخية لما يمكن تسميته "بمشروع باندونج"[1]، وأربعة عقود من النضال من أجل نظام عالمي أكثر عدلا. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، سادت حالة يمكن تسويتها "بنشوة العولمة" جوهرها الإيمان بالانتصار النهائي للغرب ومشروعه الاقتصادي الليبرالي، وبعقم أي محاولة لمقاومة هذا المشروع واعتبار أن أي كوارث إنسانية تتمخض عنه هي من قبيل القدر الذي لا رادع له. وفي خضم هذه النشوة، انهارت مقاومة الدول النامية لمطالب الدول المتقدمة خلال جولة أورجواي للمفاوضات الدولية (التي بدأت عام 1987 ولم تنته إلا بنهاية عام 1993)، ليتم إنشاء منظمة التجارة العالمية باتفاقياتها المجحفة بدول الجنوب. ولم تكن مصادفة أن يلي إنشاء المنظمة بعام واحد إعلان انتهاء الوظيفة التفاوضية لمنظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)[2] التي أنشئت كبديل جنوبي لاتفاقية الجات عام 1964، ليتحول الأونكتاد إلى مجرد محفل استشاري أو بيت خبرة لدول العالم الثالث في شؤون النظام التجاري الدولي، لا ركيزة لنظام تجاري واقتصادي عالمي أكثر إنسانية. وأكثر من ذلك، فقد صممت المنظمة بطريقة تجعل من استمرار عملها تعميقا للهزيمة التاريخية للجنوب، لا تكريسا لها وحسب. فالمادة 3 (الفقرة الثانية) من الاتفاقية المنشئة لمنظمة التجارة العالمية تنص على أن المنظمة هي محفل تفاوضي مستمر، أي أنها لا تكتفي بإدارة ما تمخضت عنه جولة أورجواي للمفاوضات من اتفاقات تجارية دولية، وإنما تسعى للتوسع بشكل مطرد وزيادة مستويات التحرير التجاري. فهي ليست إطار ضاغط على حركة دول الجنوب وحسب، وإنما مصمم بطريقة تزيد الضغط وتضيق الحلقات بشكل مستمر. وفي هذا الإطار جاءت جولة المفاوضات الحالية التي بدأت في الدوحة في نوفمبر 2001 (في مرحلة أخرى من الانكسار ضد مطالب الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر، على نحو ما سنوضح لاحقا)، وكان آخر محطاتها إلى اليوم المؤتمر الوزاري للمنظمة في هونج كونج خلال شهر ديسمبر 2005. والمفارقة هنا تكمن في أنه برغم هذه الأهمية، فإن المنظمة لا تحظى حتى الآن بالاهتمام الكافي في مصر والدول العربية، حيث يقتصر أي نقاش بشأنها على الفنيين والمفاوضين المتخصصين الذين يتدارسون الموقف بمفردهم أو في أفضل الأحوال مع نظراء لهم في الدول النامية والصديقة، وهو ترف لا تتحمله الدول النامية التي ستتأثر أشد التأثير بكل ما سيتمخض عن هذه المفاوضات التي تمس نتائجها أدق تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. وسبب هذه المفارقة الشاذة يكمن في التباس الفني والسياسي في أعمال المنظمة. فدرجة التعقيد التي تصاغ بها اتفاقات المنظمة، والرطانة المستخدمة في مفاوضات المنظمة، تجعلها تبدو وكأنها كيان فني يستعصي فهم أعماله على غير المتخصصين، وتجعل اتفاقاتها تبدو كأنها محصلة لنقاشات فنية غير مسيسة محكومة فقط باعتبارات اقتصادية "علمية"، لا نتيجة لتوازنات قوى بين أطراف مفاوضة ذات مصالح متباينة. وهذه في الواقع إحدى أشد الآليات مكرا لإبقاء عمل منظمة التجارة العالمية خارج الرقابة الشعبية، ومن ثم إجهاض أي محاولة لنقدها وتقديم بديل حقيقي لها. ففي ظل هذه الضبابية التي تحيط بأعمال المنظمة، يقتصر كل نقد لها على حديث عام عن مضار التحرير المنفلت للأسواق، وهو حديث على أهميته المبدئية لا يتعرض مباشرة للقضايا اليومية التي تناقش في المنظمة والتي تتسم بكونها شديدة التفصيل ومتعلقة بالتزامات قانونية محددة، لا يتعرض لها عادة النقد "العمومي" لأعمال المنظمة. ومن هنا تكمن أهمية فك الالتباس المحيط بأعمال المنظمة، وهو ما يتحقق من خلال مهمتين أساسيتين، هما:
أ- إدراك تاريخية المنظمة، التي هي جزء من تاريخ الجنوب، أنشئت في مرحلة انكساره، وتدار صعودا وهبوطا بشكل يعكس الصراعات التي تخوضها دول الجنوب لتحسين موقعها في نظام تقسيم العمل الدولي، بنجاحاتها وإخفاقاتها.
ب- إدراك الجوهر السياسي للمنظمة، بمعنى كونها تعبر عن توازنات قوى بين أطراف متفاوضة. فمبادئ المنظمة ليست مجرد أطروحات ليبرالية مشتقة من النظريات الاقتصادية الكلاسيكية، وإنما انعكاس لمصالح الدول الأقوى داخلها، وبصرف النظر عن اتساقها النظري مع أطروحات الليبرالية الاقتصادية. والمثال الأشهر هنا هو اتفاقية جوانب الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة TRIPS والتي لا تستهدف تحرير الأسواق، وإنما تأسيس احتكارات للصناعات ذات المكون التكنولوجي المرتفع ( وتعد الصناعات الدوائية المثال الأشهر هنا)، وبشكل يقف على النقيض من فلسفة سائر اتفاقات المنظمة ويخالف بوضوح مفاهيم الليبرالية الاقتصادية، ولا يمكن تفسيره إلا بالنظر للقوة السياسية لهذه الاحتكارات، وللدول الكبرى التي تدعمها. وبالمثل، فإن اتفاقات المنظمة هي – شأنها شأن أي اتفاقات دولية– محصلة لتوازنات القوى بين الأطراف التي تفاوضت عليها. غير أن هذا الجوهر السياسي لمبادئ المنظمة واتفاقياتها والمفاوضات التي تجري فيها، يتسربل بغطاء فني بالغ التعقيد (سواء بسبب اللغة المعقدة التي تصاغ بها اتفاقاتها، أو بسبب سادية الكثير من المفاوضين والمعلقين على أعمال المنظمة الذين يستمتعون باستخدام رطانة غير مفهومة للقارئ العادي لتأكيد تفوقهم عليه، وضمان ألا يخضعوا لأي رقابة ديمقراطية على مواقفهم من المنظمة وداخلها). فالفني هنا وسيلة لخدمة السياسي، أو لإخفائه عند الضرورة. ولذا، فإن فك هذا الالتباس ليس مجرد مهمة علمية، وإنما يعد أيضا هما نضاليا، فالمهام النضالية داخل المنظمة وضدها لا يمكن أن تتحدد إلا بإدراك دقيق لتوازنات القوى، والمصالح المتباينة داخل المنظمة، كما أن خوض أي معركة ضد منظمة بهذه القوة، والولاية المتسعة يحتاج لتحالف واسع من المتضررين من أعمالها، ولخط فكري بديل يبدأ من التعرف بالضبط على مكامن الظلم في أعمالها تمهيدا لتأسيس مشروع بديل. فالتعريف بالمنظمة والتحليل الدقيق لأعمالها أهم من التحريض المرسل ضدها، وهما بالتأكيد الشرط الضروري لتأسيس اصطفاف شامل ضده ما تمثله هذه المنظمة سعيا لبناء عالم أكثر تحررا وعدالة. وتقتصر هذه الورقة – انطلاقا من الموقف الموضح أعلاه – على جولة المفاوضات التجارية الحالية التي بدأت في المؤتمر الوزاري للمنظمة الذي عقد في الدوحة في نوفمبر 2001، من خلال ثلاثة أقسام بخلاف هذه المقدمة، يسعى أولها للإجابة عن سؤال: كيف وصلنا إلى هونج كونج؟ عبر عرض سياق تطور الجولة التفاوضية وأهم المحطات الأساسية بها، ويستعرض الثاني أهم ما دار خلال مؤتمر هونج كونج وما تمخض عنه من تفاهمات، ويخصص القسم الأخير للإجابة عن سؤال ماذا بعد هونج كونج، سواء بالمعنى الفني الأضيق المتعلق بإمكانات التحرك في إطار الجولة التفاوضية، أو بالمعنى الأوسع المتعلق بأولويات العمل التحرري والمهام المطلوبة داخل وخارج المنظمة.
ثانيا: الطريق إلى هونج كونج: تاريخ سياسي موجز لجولة الدوحة للمفاوضات التجارية
من البديهي أن المفاوضات التجارية – أو أي مفاوضات أخرى– لا تتم في فراغ سياسي، وإنما تتحد نتائجها من ناحية بتوازنات القوى بين الأطراف المتفاوضة. وتتأثر هذه التوازنات بدورها بالسياق السياسي والاقتصادي الذي يتدخل ليحد أو يوسع من خيارات الأطراف المتفاوضة بصرف النظر عن قوتها، فما تملك دول الجنوب مثلا أن ترفضه بحكم موقعها في توازن القوى، يمكن أن تقبله بسبب ظرف دولي ضاغط يحول دون استخدامها لما تملكه من وزن تفاوضي. وهذا هو ما حدث بالفعل أكثر من مرة منذ إنشاء منظمة التجارة العالمية. وبهذا المعنى، فإن لكل مفاوضات تجارية – مهما بدت فنية – تاريخ سياسي حددته توازنات القوى بين الأطراف المختلفة، والسياق السياسي والاقتصادي الذي تفاوضت هذه الأطراف فيه. ويمكن في هذا السياق تقسيم الأعوام العشرة المنصرمة منذ إنشاء منظمة التجارة العالمية مبدئيا إلى أربعة مراحل أساسية:
أ- مرحلة "نشوة العولمة" التي سبقت الإشارة إليها، والتي شهدت إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995، ثم انعقاد مؤتمريها الوزاريين الأولين في سنغافورة عام 1996 [3]، ثم في جنيف عام 1998، وفيه تمخضت أولى بوادر الجولة الجديدة للتفاوض.
ب- مرحلة "صدمة العولمة" بعد الأزمة المالية الممتدة بين 1997-1999، والحصاد المرة لتجربة أربعة أعوام من الاندماج في النظام التجاري الدولي، والتي عقد خلالها المؤتمر الوزاري للمنظمة في سياتل بفشله الشهير، وفيه بدايات التمرد على عولمة الليبرالية الجديدة سواء على المستوى الحكومي أو على مستوى الحركات الشعبية للعولمة البديلة.
ج- "انتكاسة حركة الجنوب" خلال عام 2001، نتيجة أحداث 11 سبتمبر، وما تلاها من تداعيات في ظل الصيغة التي طرحتها الإدارة الأمريكية وقتذاك "معنا أم ضدنا؟"، وفيها عقد المؤتمر الوزاري الرابع للمنظمة في الدوحة، وأعلن رسميا بدء جولة الدوحة المفاوضات التجارية.
د- "محاولة استعادة زمام المبادرة" بعد الانحسار النسبي لوطأة أحداث 11 سبتمبر، مما مكن دول الجنوب من التحرك مجددا لاستعادة زمام المبادرة داخل المنظمة، وقد وقعت كل المحطات الرئيسية لجولة الدوحة داخل هذه المرحلة، من فشل المؤتمر الوزاري الخامس في كانكون، إلى المؤتمر الوزاري الأخير في هونج كونج، ولا تزال المعركة التفاوضية لجولة الدوحة مستمرة. كان المؤتمر الوزاري الأول لمنظمة التجارة العالمية في سنغافورة عام 1996 مخصصا بالأساس للمتابعة والمراجعة، ولكنه شهد استثمارا ضخما من الدول الكبرى لمرحلة "نشوة العولمة" و"غياب البديل"، للدفع باتجاه جولة جديدة من المفاوضات التجارية، باعتبار أن المنظمة هي بالأساس محفل تفاوضي مستمر، وأن الهدف هو التحرير المستمر إلى ما لا نهاية للتجارة الدولية. وكشف هذا المؤتمر عن سابقتين خطيرتين حددتا معالم المعركة التفاوضية داخل المنظمة في المراحل التالية، هما
:أ- تأكيد الطابع غير الديمقراطي لعمل المنظمة، فعلى الرغم من أن القرار في المنظمة يفترض أن يتخذ بتوافق آراء جميع الدول الأعضاء، فإن عمل المؤتمر ميز بين الجلسات العامة التي خصصت لبيانات افتتاحية للوفود، ولم تشهد تفاوضا حقيقيا، وبين الاجتماعات "غير الرسمية" التي تدعى لها مجموعات مختارة من الوفود، وتشهد المساومات الحقيقية والاتفاقات الجانبية، ثم يعرض ما يتفق عليه على عموم الوفود التي تقع حينئذ تحت ضغوط في منتهى الشراسة للانضمام إلى "توافق الآراء"! وهي تقنية تفاوضية مازالت معتمدة بشكل مكثف إلى اليوم، وتعرف في رطانة المشتغلين بشؤون المنظمة باسم "الغرف الخضراء" في إشارة إلى الغرف الصغيرة التي يدعى لها عدد محدود من المجتمعين للتفاهم على ما سيشكل "توافق آراء" جميع الوفود!
ب- توضيح استراتيجية الدول المتقدمة لعمل المنظمة، والقائمة – بجانب استخلاص المزيد من التنازلات من الدول النامية في القطاعات التي تهمها– على التوسع فيما يعرف "بالموضوعات المتصلة بالتجارة" Trade-related issues، والتي تعني توسيع ولاية المنظمة لموضوعات غير تجارية لكنها "متصلة بالتجارة" مثل البيئة، ومعايير العمل، والاستثمار، استنادا على السابقة الناجحة للدول المتقدمة خلال مفاوضات جولة أورجواي، المتمثلة في إدراج موضوعات "الملكية الفكرية" في ولاية المنظمة – بصرف النظر عن تعارض منطق حماية الملكية الفكرية مع منطق تحرير التجارة على نحو ما ذكرنا أعلاه– مما أنتج اتفاقية "جوانب الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة" – اتفاقية التريبس TRIPSسيئة السمعة. ومن هنا ظهر ما يسمى "بموضوعات سنغافورة" والتي تشير إلى أربعة موضوعات تم إنشاء مجموعات عمل في إطار المنظمة لبحث إمكانية إدراجها في ولاية المنظمة هي: تيسير التجارة، والاستثمار، وسياسيات المنافسة، والمشتريات الحكومية. وجاء المؤتمر الوزاري الثاني للمنظمة (جنيف - مايو 1998) في خضم الأزمة المالية الممتدة التي شهدتها دول الجنوب، بدءا من آسيا في منتصف عام 1997 ومرورا بروسيا والبرازيل عام 1998 ثم الأرجنتين عام 1999. وكان لهذا التوقيت نتيجتان – فيما يتعلق بالمفاوضات التجارية – هما:أ- وضع الدول النامية – خاصة تلك التي حاولت تبني استراتيجيات تصنيعية "دولتية" Statist بقدر معقول من النجاح – في موضع الدفاع، واتهام دور الدولة فيها بأنه سبب الأزمة لا سبب النجاح، والدفع بأن التحرير الشامل وغير المشروط لجميع أسواقها المالية والإنتاجية – على الطريقة الأنجلو-أمريكية – هو المخرج الوحيد المتاح أمامها.ب- عدم وجود فرصة أمام هذه الدول – المستنزفة كل منها في أزمتها الخاصة – لبلورة مواقف أو استراتيجيات جماعية تجاه مطالب الدول المتقدمة بجولة مفاوضات جديدة[4]. وكانت النتيجة صدور الإعلان الوزاري عن مؤتمر جنيف داعيا لجولة مفاوضات جديدة، إذ حددت الفقرة 9/أ أجندة المفاوضات القادمة التي ينبغي استكشافها في ثلاث موضوعات أساسية، هي:أ- القضايا المتعلقة بتنفيذ الالتزامات القائمة بالفعل (وهو مطلب يلبي أساسا شكوى الدول النامية من العراقيل التي وضعتها الدول المتقدمة للتنصل من التزاماتها تجاهها).
ب- التأكد من بدء التفاوض حول الموضوعات التي سبق الاتفاق في جولة أورجواي على استئناف التفاوض بشأنها بعد خمس سنوات من دخول اتفاقات جولة أورجواي حيز التنفيذ (مثال: الزراعة والخدمات).
ج- أي موضوعات جديدة (في إشارة لموضوعات سنغافورة أو غيرها مما يستجد من موضوعات بناء على طلب الدول المتقدمة في الأغلب). غير أنه، وبعد عام من مؤتمر جنيف، كان الوضع الدولي، ووضع دول الجنوب خاصة قد شهد عدة تغييرات أساسية. فقد أدى مرور عام إضافي على الأزمة المالية استقر خلاله رأي الكثيرين في الجنوب على أن التحرير المنفلت كان سبب الأزمة لا دور الدولة التنموي (وهو ما أكده امتداد الأزمة لدول لم تكن تعتمد دورا دولتيا كبيرا، وإنما قامت بتحرير أسواقها المالية كالأرجنتين مثلا)، بالإضافة إلى تجربة أربعة أعوام من دخول اتفاقيات منظمة التجارة العالمية حيز التنفيذ انكشفت خلالها تأثيراتها السلبية على الدول النامية، إلى تفاقم التناقض بين الدول النامية والمتقدمة في إطار المنظمة. حيث تشبثت الدول النامية بترتيب البنود الثلاثة للفقرة 9/أ كأولويات لعمل المنظمة، بمعنى أن يتم الانتهاء من مناقشة قضايا تنفيذ الالتزامات أولا، ثم التفاوض على الموضوعات التي سبق الاتفاق عليها، والمعروفة باسم الأجندة المتضمَنة (Built-in Agenda)، قبل التفاوض على أي موضوعات جديدة، الأمر الذي كان يعني عمليا وقف الهجوم "التحريري" للدول المتقدمة، وإتاحة فرصة للدول النامية لالتقاط الأنفاس واستكمال الحصول على مستحقاتها التفاوضية العالقة منذ جولة أورجواي بسبب مشاكل تنفيذ الاتفاقات في الدول المتقدمة. فقد أصرت الدول النامية على أن هناك العديد من الالتزامات التي لم تف بها الدول المتقدمة والتي ينبغي بحثها أولا وتنفيذها قبل بحث قضايا جديدة، حتى لا يتم التفاوض مرتين على نفس القضية، ولكي لا تصل إلى موقف تتم فيه المقايضة على تنفيذ الدول المتقدمة لاستحقاقات متأخرة بالتزامات جديدة من جانب الدول النامية. وبطبيعة الحال كانت هذه الاستراتيجية هي نقيض استراتيجية التوسع المستمر التي بلورتها الدول المتقدمة منذ مؤتمر سنغافورة. وجاء المؤتمر الوزاري الثالث للمنظمة في سياتل عام 1999 وسط هذه التناقضات المحتدمة، وكان فشله الشهير، الذي يمكن أن يعزى لثلاث متغيرات أساسية:
أ- صراع مصالح بين الشريكين الكبار في المنظمة (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) خاصة في الملف الزراعي، مما خلق مساحة مناورة أمام دول الجنوب لتخفيف الضغوط عليها، والتمسك بمواقفها التفاوضية.
ب- تبني إدارة كلينتون لسياسة الهروب للأمام في مواجهة التناقضات المحتدمة في مؤتمر سياتل، بالضغط ليس فقط من أجل بدء المفاوضات التجارية، ولكن لتشمل أيضا موضوعات جديدة لم يسبق الاتفاق عليها (ولم ترد حتى ضمن موضوعات سنغافورة سابقة الذكر) على رأسها موضوع معايير العمل، مما ولد إجماعا لدى الدول النامية ضد هذا الموقف واستعدادا للوصول بهذا الإجماع إلى منتهاه – أي إلى إفشال المؤتمر برمته.
ج- تفجر حركة مقاومة شارع ضخمة ضد المنظمة باعتبارها رأس حربة العولمة، من خلال مشهد مظاهرات سياتل الشهيرة، التي اعتبرها كثيرون نقطة ميلاد حركة مناهضة العولمة ككيان متبلور ومؤثر، وإن كان الإنصاف يقتضي إيضاح أن هذه الحركة لم تكن عنصرا مؤثرا بشكل حاسم على المؤتمر، نظرا للتباين الضخم بين المشاركين فيها حول العديد من الموضوعات المطروحة للتفاوض (من معايير العمل إلى مبدأ التحرير التجاري ذاته). فقيمة حركة سياتل في الواقع في دورها الريادي وإظهارها حجم الاستياء من المنظمة وما ترمز إليه بشكل غير مسبوق (من خلال صور رمزية للمجتمعين خلف ثكنات عسكرية تحميهم من المتظاهرين الغاضبين، والمقارنة بين غرف الاجتماع الوثيرة ومعارك الشوارع الطاحنة..إلخ)، أكثر من كونها في مضمون المواقف التي تبنتها في ذلك الوقت. على أن مشهد الاحتجاج المهيب في سياتل (سواء على صعيد الدول النامية أو على صعيد الحركات الجماهيرية في الشارع) كان شرارة البدء في تحرك عالم ثالثي لاستعادة زمام المبادرة، كانت أهم معالمه تبلور حركة المجتمع المدني العالمي من ناحية التي سرعان ما اتخذت شكل مؤتمرات عولمة بديلة في بورتو أليجري في البرازيل (بدءا من يناير 2001) من ناحية، وبدء مساعي جادة للتحرك الجماعي للدول النامية تجلى في مؤتمر الأنكتاد الوزاري في تايلاند عام 2000، وأجندة بانكوك التنموية الطموحة التي تمخضت عنه، والتي – أيضا – كانت قيمتها الأساسية فيما ترمز إليه من محاولة لاستعادة التحرك العالم ثالثي. وكان من المفترض أن تنعكس هذه التحركات على الصعيدين الدولي والشعبي في بلورة مواقف أكثر قوة للدول النامية في المنظمة، لولا الانتكاسة الكبيرة التي مثلتها أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من استقطاب عالمي كرسه شعار الإدارة الأمريكية آنذاك "معنا أم ضدنا؟". ففي هذه الأجواء عقد المؤتمر الوزاري الرابع للمنظمة في نوفمبر 2001 (بعد شهرين فقط من هجمات 11 سبتمبر)، وفي خضم الحرب في أفغانستان، والشراسة الشديدة لخطاب الإدارة الأمريكية، والتي انعكست في إعلان الممثل التجاري الأمريكي[5] خلال خطابه في بداية مؤتمر الدوحة أن فشل المؤتمر سيعني انهيار النظام التجاري الدولي وسيمثل رسالة إيجابية للإرهابيين الذين يسعون لتدمير الحضارة! مما خلق مثلثا من الضغوط على الدول النامية:
أ- فهناك من ناحية تداعيات الحرب في أفغانستان وهذا الموقف الأمريكي الذي ساوى بين فشل المفاوضات والتخلي عن "المعركة المقدسة" للحضارة في مواجهة الإرهاب.
ب- وهناك الضغوط الاقتصادية الناجمة عن موجة الركود الدولي الجديد في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، ورغبة عدد من الدول النامية تجنب تكرار فشل تكرار سياتل بأي ثمن، تفاديا للتداعيات السلبية لمثل هذا الفشل على استمرار الركود العالمي، وزيادة مخاوف رأس المال الدولي، مما سينعكس سلبا على تدفقاته التي تحتاجها بشدة لتعويض حركة الانسحاب السريع والمفاجئ لرؤوس الأموال من الدول النامية في ظل الأزمة المالية العالمية الممتدة بين 1997 و1999.
ج- وهناك أخيرا اعتبار متعلق بانعقاد المؤتمر في بلد عربي وإسلامي، مما حمل الدول العربية والإسلامية (والتي تشكل قسما لا بأس به من دول الجنوب، وتقع كلها تحت طائلة الاتهام بكونها مفرخة الإرهاب) مسئولية إضافية لإظهار إخلاصها "للمعركة المقدسة" للحضارة. ولذا، لم يكن من قبيل المصادفة أن الدول النامية – وبخاصة الدول العربية والإسلامية – أبدت درجة استثنائية من المرونة، بخلاف مواقفها مثلا في سياتل، لدرجة أو وفد الهند (التي امتلكت حرية حركة مصدرها كونها غير متهمة بأي حال من الأحوال برعاية الإرهاب أو إيواء الدكتاتورية) بقي وحده معطلا "التوافق" إلى أن رضخ لضغوط الدول الأخرى في الساعة الأخيرة للمؤتمر، ليخرج إعلان الدوحة مفتتحا بشكل رسمي جولة الدوحة للمفاوضات، ومكرسا عددا من التوازنات المختلة التي وضعت الجولة على بداية غير مشجعة للدول النامية (في مفارقة واضحة مع تسمية "جولة الدوحة للتنمية" التي أطلقت عليها)، أهمها:أ- رفض العمل وفقا للترتيب الذي اقترحته الدول النامية[6]، وبدء التفاوض على كل شيء في وقت واحد، مما يعني إمكانية تحقق مخاوف الدول النامية بأن تدفع ثمن نفس البضاعة مرتين، وتقايض التزامات قديمة وغير منفذة للدول المتقدمة بالتزامات جديدة من جانبها. ب- تكريس "الغرف الخضراء" كآلية عمل أساسية، وإطار وحيد تقريبا لبناء "التوافق العام"، وهي مسألة – فضلا عن عدم ديمقراطيتها – تؤدي إلى زرع المزيد من الانقسام بين الدول النامية التي تصبح عرضة للتنافس لإظهار "المرونة والإيجابية" ضمانا لأن توجه الدعوة إليها للمشاركة في اجتماعات "الغرف الخضراء"، وتخلق تمايزا وتراتبية داخل الدول النامية بين الدول الكبيرة التي تدعى لاجتماعات "الغرف الخضراء"، وتلك التي يفترض أن تنضم "للتوافق العام" لاحقا، الأمر الذي يفتح المجال أمام قيام الأولى بعقد صفقات جانبية مع الدول الكبرى على حساب الأخيرة. ج- اختيار منطق "الصفقة الواحدة Single Undertaking" كأساس للتفاوض مثلما كان الحال في جولة أورجواي، مما يحرم الدول النامية من اختيار الاتفاقات التي تريد الانضمام إليها، ويفرض عليها إما قبول كل الاتفاقات التي سيتم التفاوض عليها أو الخروج من المنظمة برمتها!د- انتفاء أي إشارة عملية إلى المعاملة الخاصة والمتميزة للدول النامية Special and Differential Treatment كإطار محدد للجولة التفاوضية. غير أن الظروف الدولية الاستثنائية التي سهلت صدور إعلان الدوحة كانت تعني في حقيقة الأمر مجرد ترحيل للخلافات، لا تسوية لها. ولذا، سرعان ما بدأت الخلافات بين الدول النامية والمتقدمة حول القطاعات التفاوضية المختلفة، وحول آليات التفاوض، والمناهج المستخدمة لاحتساب التنازلات التجارية... إلخ. وفي محاولة للقفز على هذه التناقضات، قامت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالتفاهم على أهم الموضوعات الخلافية بينهما عشية المؤتمر الوزاري الخامس للمنظمة في منتجع كانكون بالمكسيك (2003)، وهو إجراء استهدف بالأساس تقليص هامش المناورة الذي مكن الدول النامية من مقاومة الضغوط في سياتل. وبدا أن خضوع الدول النامية لما هو مطلوب منها في كانكون هو من قبيل تحصيل الحاصل في ظل توافق العملاقين. إلا أن التطورات الدولية منذ عام 2000[7] بدأت تؤتي ثمارها، بتشكل تحالف قوي للدول النامية في الموضوعات الزراعية بعنوان مجموعة العشرين (التي تقودها الهند والبرازيل وتضم في عضويتها مصر)، وتمسك الدول النامية أيضا بمواقفها تجاه العديد من القضايا الخلافية (كموضوعات سنغافورة، ومشاكل اتفاقية التريبس وغيرها). وكان فشل مؤتمر كانكون أكثر دلالة من فشل سياتل، حيث كان هذا الفشل ناجما بالأساس عن موقف جنوبي قوي ضد إجماع الكبار، فبالإضافة إلى الأداء القوي لمجموعة العشرين في الملف الزراعي، أبرزت المعارضة الشرسة للدول النامية ضعف فرص بدء التفاوض حول ثلاثة من موضوعات سنغافورة "المتصلة بالتجارة" التي طالبت الدول المتقدمة بإدراجها في المفاوضات، وهي الاستثمار والمنافسة والمشتريات الحكومية. بيد أن هذا النجاح للدول النامية لم يخف أوجه قصور وثغرات أساسية في أدائها لا تزال مستمرة إلى اليوم، هي:
أ- أن تحرك الدول النامية اعتمد أساسا على تحالفات جزئية حول موضوعات منفردة (كمجموعة العشرين في قضايا الزراعة مثلا، وما يسمى بالدول متشابهة التفكير Like Minded Countries في موضوعات سنغافورة، وهكذا). وهذه بطبيعتها تحالفات مؤقتة وجزئية التوجه، ولا تستطيع تحقيق اختراقات استراتيجية داخل المنظمة، ولا تصلح أساسا لاستراتيجيات أكثر جذرية لتصحيح أوجه الخلل في آليات عمل المنظمة واتفاقاتها القائمة بالفعل.
ب- أنه في ظل عدم امتلاك أي من الدول النامية لتصور شامل لتصحيح أوجه الخلل في المنظمة، فإن أفق تحركها الجماعي سيقتصر في أفضل الأحوال على منع – أو التخفيف من – أي اتفاقات مستقبلية جائرة. فهو ليس موقفا جذريا، ولا حتى موقف إصلاحي، وإنما مجرد موقف دفاعي يحاول الحيلولة دون زيادة الوضع سوءا.
ج- أن الدول النامية لم تسع لمقاومة استراتيجية "الغرف الخضراء" مكتفية بالتنسيق داخلها عبر مندوبين يكونون عادة من الدول النامية الكبيرة (كالهند أو البرازيل أو مصر أو المكسيك أو جنوب أفريقيا)، مما يبقي الثغرات التي سبقت الإشارة إليها ويفتح احتمالات انقسام موقف الدول النامية وعقد الصفقات الجانبية على حسابه. وفي محاولة لإحياء المفاوضات التجارية بعد فشل مؤتمر كانكون، تم اقتراح تقسيم العملية التفاوضية إلى ثلاث مراحل تفصل الجوانب الإجرائية عن الجوانب الموضوعية للمفاوضات سعيا لبناء الثقة بين المتفاوضين وتحقيق نجاحات جزئية للعملية التفاوضية قبل مواجهة القضايا الخلافية [8]:
أ- التفاوض أولا على إطار ومبادئ عامة تحكم العملية التفاوضية، وهذا هو الأساس الذي قام عليه ما يعرف بصفقة يوليو التي تمخضت عن اجتماع مجلس الشؤون العامة في يوليو2004 (بعد أقل من 10 أشهر على فشل كانكون).
ب- ثم يلي ذلك التفاوض على آليات ومنهجية العملية التفاوضية.
ج- ثم تبدأ المفاوضات القطاعية (التي تشكل لب المفاوضات في الواقع) في ضوء الإطار العام والآليات التي سبق الاتفاق عليها. وقد تمثلت الخلافات استمرت بين الأطراف التفاوضية في ثلاث قضايا رئيسية:
أ- الزراعة: بين مجموعة العشرين من ناحية، وبين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى[9] نظرا لإصرار الدول النامية على قيام القطبين التجاريين بخفض مستويات الدعم، لتحقيق نفاذ أكبر للصادرات الزراعية للدول النامية في أسواق الدول المتقدمة.
ب- السلع الصناعية: كان الخلاف هنا بشكل عام بين الدول النامية والمتقدمة، غير أنه اتسم بهشاشة تحالفات الدول النامية (التي تفاوضت من خلال تكتلات تفاوضية فضفاضة، وأقل تماسكا من مجموعة العشرين، مثل مجموعة الدول التسعين، والمجموعة الأفريقية). وتمثل الخلاف في رفض الدول النامية للملحق الثاني من النص التفاوضي (نص ديربيز[10]) باعتباره يتطلب منها تقديم تنازلات ضخمة لفتح أسواقها الصناعية أمام صادرات الدول المتقدمة، وطالبت الدول النامية بتعديله، بينما تمسكت به الدول المتقدمة.
ج- بالنسبة للموضوعات الجديدة: تمثل الخلاف الرئيسي بين مجموعة الدول متشابهة الفكر (ومن بينها مصر) والاتحاد الأوروبي بشكل خاص، حيث قبلت المجموعة التفاوض على موضوع تيسير التجارة وطالبت بإسقاط الموضوعات الثلاثة الأخرى نهائيا من ولاية منظمة التجارة العالمية.ونظرا لتفاقم الخلاف بين أعضاء المنظمة في جميع الموضوعات السابقة، كان الهدف الرئيسي لاجتماع مجلس الشؤون العامة في يوليو 2004 هو تفادي تكرار فشل مؤتمر كانكون (باعتبار أن هذا الفشل سيؤدي لانهيار الجولة التفاوضية برمتها)، وليس تحقيق اختراق حاسم في المفاوضات. وانعكس هذا الهاجس على الصفقة التفاوضية التي تمخض عنها الاجتماع، وترحيل العديد من القضايا الخلافية إلى المراحل التالية للتفاوض. وقد سادت خلال الاجتماع وجهتي نظر بشأن طبيعة الصفقة التفاوضية الممكنة، هما:
أ- وجهة نظر الدول المتقدمة: أن الصفقة تقوم على مقايضة التزامات الدول المتقدمة في الزراعة بالتزامات الدول النامية في الصناعة، وأن الدول المتقدمة ليست على استعداد للتنازل عن مطالبها في قطاع الصناعة.
ب- وجهة نظر الدول النامية: أن المقايضات الأساسية ينبغي أن تتم داخل القطاعات وليس فقط فيما بينها، بمعنى أنه بجانب المطلب العام الخاص بفتح أسواق السلع الزراعية في الدول المتقدمة، فإن هناك مطالب أخرى في قطاعات غير الزراعة لا يمكن للدول النامية التنازل عنها بدعوى أن الدول المتقدمة ليست على استعداد لتقديم أية تنازلات خارج قطاع الزراعة، خاصة وأن ما تعرضه الدول المتقدمة في هذا القطاع لا يعدو أن يكون تنازلات عامة وغير محددة. وبعكس ما حدث خلال مؤتمر كانكون، عكست "صفقة يوليو" تكريس وجهة النظر الأولى، حيث انتهت إلى ما يلي:أ- التوصل لصفقة في الزراعة تلتزم بموجبها الدول المتقدمة بخفض الدعم الداخلي ودعم الصادرات الزراعية.
ب- التمسك بالملحق الثاني لنص ديبربيز الخاص بالصناعة، على الرغم من تحفظات الدول النامية عليه، ورفض المجموعة الأفريقية له، مما أدى لإدخال فقرة أولى على الملحق تشير إلى هواجس الدول النامية بشكل غير محدد.ج- الاتفاق على التفاوض حول موضوع تيسير التجارة، واستبعاد الموضوعات الجديدة الأخرى من جولة المفاوضات الحالية (وليس من ولاية المنظمة ككل). ويعزى هذا النجاح للدول المتقدمة في فرض تصورها لطبيعة الصفقة التفاوضية إلى سببين رئيسيين، هما:
أ- تبني استراتيجية لتفتيت الدول النامية، سواء من خلال التمييز بين تجمعاتها المختلفة، أو التعامل مع بعضها بشكل ثنائي، أو التفرقة بين الدول النامية والأقل نموا، واستحداث المفوض التجاري الأوروبي[11] لشريحة جديدة هي "الاقتصادات الضعيفة"، بدون تحديد المقصود منها...إلخ.
ب- فشل الدول النامية في نقل صيغة التحالف الناجح في قطاع الزراعة "مجموعة العشرين" خارج هذا القطاع، الأمر الذي انعكس في تفاوت أداء التجمعات المختلفة للدول النامية. فبينما نجحت مجموعة العشرين ومجموعة الدول متشابهة التفكير في تحقيق بعض المكاسب التفاوضية في قطاعي الزراعة وموضوعات سنغافورة على التوالي، فشلت المجموعة الأفريقية ومجموعة التسعين والدول النامية بشكل عام في تحقيق مطالبها في قطاع الصناعة وانتهت بقبول نص تفاوضي سبق وأن رفضته في كانكون، ولا يحقق الحد الأدنى من مصالحها.
ج- توجه الهند والبرازيل للتعامل "كأرستقراطية للدول النامية"، ودخولهما منفردتين في مفاوضات مع الدول المتقدمة (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا) حول القطاع الزراعي، مما أسفر عن انتزاع تنازلات تهم الدولتين، وتهميش بعض مطالب الدول النامية الأخرى (مثال: مطالب الدول الأفريقية صاحبة مبادرة القطن).
ثالثا: ماذا حدث في هونج كونج؟
بصرف النظر عن أوجه الاختلال التي سبقت الإشارة إليها، فإن صفقة يوليو لم تزد عن وضع إطار للعملية التفاوضية، ورحلت القضايا الأساسية المتعلقة بمنهج احتساب التنازلات، ومضمون هذه التنازلات لما بعدها. وكما كان متوقعا، شهدت اجتماعات المنظمة في جنيف للإعداد للمؤتمر الوزاري[12] خلافات حادة حول كل القضايا تقريبا، إذ برزت كل التناقضات التي تجاهلتها صفقة يوليو، مما دفع بعض الدول النامية لاقتراح تأجيل المؤتمر الوزاري. غير أن السكرتارية – ومن وراءها الدول الكبرى– أصرت على عقده في موعده، دافعة بأنه سيمثل مناسبة لإعادة النظر في التوقعات حول ما يمكن أن تسفر عنه الجولة التفاوضية برمتها. وخلق هذا الشعار المخادع توقعا زائفا لدى العديد من الدول النامية بأن المؤتمر سيكون تحصيل حاصل، ولن يشتمل على أية مفاوضات حقيقية وهو ما خلق حالة من الاسترخاء انعكست على استعداداتها للمؤتمر. فلم تتشكل تحالفات شاملة لكل القضايا، وبدا أن الدول النامية قبلت المعادلة التي طرحها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والتي تقضي بأن تقدم الدول المتقدمة تنازلات في الملف الزراعي مقابل تنازلات للدول النامية في الملف الصناعي. وانعكس ذلك في البيانات الصادرة عن اجتماعات الدول النامية التحضيرية للمؤتمر الوزاري والتي اقتصرت تقريبا على مواقف محددة في ملف الزراعة (مطالبات بإلغاء الدعم الزراعي بشقيه، الدعم المحلي للمزارعين في الدول المتقدمة، ودعم المصدرين الزراعيين في هذه الدول)، ومطالب أكثر عمومية بكثير في باقي الملفات، بشكل عكس تصور هذه الدول لعدم جدية المفاوضات حول القطاعات الأخرى في هذه المرحلة.وفي المقابل، ذهبت الدول المتقدمة إلى هونج كونج باستراتيجية هجومية، مدفوعة بالنجاحات التي حققتها في فرض تصورها لطبيعة الصفقة التفاوضية منذ "صفقة يوليو". وقامت هذه الاستراتيجية على أربع دعامات أساسية، هي:
أ- ما دامت الدول النامية قد قبلت بمقايضة الزراعة بالصناعة، فإن المطلوب هو خفض توقعاتها بالنسبة لما يمكن أن تحصل عليه من تنازلات في الملف الزراعي، وتأجيل طرح هذه التنازلات لأطول فترة ممكنة، باعتبار أنها تمثل كل ما يمكن للدول المتقدمة أن تقدمه في هونج كونج.
ب- وبالمقابل، فإن المطلوب من الدول النامية تقديم تنازلات حاسمة في الملف الصناعي.
ج- وبالإضافة لذلك، فإن هناك مطالب جذرية في قطاع الخدمات، الذي بدا أنه خارج الصفقة التفاوضية الأساسية في هذه المرحلة.
د- ولتحقيق هذه الأهداف القطاعية، يتعين العمل على تفتيت أي فرصة للتحرك الجماعي للدول النامية (على غرار ما تم في كانكون مثلا)، من خلال تحركين متوازيين: (1) الأول يستهدف تقديم إغراءات بتنازلات خاصة للدول الأقل نموا بشكل يعزلها عن عموم الدول النامية، ويضرب تحالف الدول النامية في قاعدته. (2) والثاني يستهدف العمل على عقد صفقة منفردة مع واحدة على الأقل مع الدول النامية القيادية بشكل يضرب تحالف الدول النامية في قيادته. (وهو ما حدث بالفعل بعقد اتفاق جانبي حول العمالة الماهرة بين الولايات المتحدة والهند، مما جعل مواقف الأخيرة شديدة "المرونة" خلال المؤتمر، خاصة في قطاع الخدمات كما سنوضح لاحقا). وبالنسبة لقطاع الزراعة، فإن في هذا القطاع ثلاث معارك تفاوضية أساسية، هي: الدعم المحلي، دعم التصدير، بالإضافة إلى مبادرة القطن التي طرحتها مجموعة من الدول النامية والأقل نموا المنتجة للقطن لتسريع وتيرة الخفض في مستويات الحماية لدى الدول المتقدمة في هذا القطاع بالذات. ومن السهل القول بأن الدول المتقدمة نجحت في خفض حجم ونوعية تنازلاتها لأقل مستوى ممكن، وذلك على النحو التالي:
أ- ركزت المفاوضات خلال المؤتمر بالأساس على دعم التصدير، وتم تهميش موضوع الدعم المحلي الأكبر حجما بما لا يقاس. (يبلغ حجم دعم الصادرات في الاتحاد الأوروبي مثلا ما بين 3-4 مليار دولار سنويا، مقابل 27 مليار دولار سنويا دعم داخلي، والمفارقة أن هذا المستوى للدعم المحلي في الاتحاد الأوروبي يزيد بمليار دولار عن المستوى الذي استهدفه الاتحاد الأوروبي ذاته لعام 2008، بما يعكس توجهه نحو زيادة الدعم المحلي لا خفضه).
ب- وبالنسبة لدعم الصادرات، كان كل ما قدمته الدول المتقدمة هو تعهد مرسل بإزالته بحلول عام 2013 (وهو ما سبق الاتفاق عليه بالفعل في مؤتمر الدوحة عام 2001 دون تحديد موعد محدد).
ج- أما الدعم المحلي الأضخم، فكل ما اتفق عليه هو تخفيض هذا الدعم (وهو أيضا أمر سبق وأن اتفق عليه في مؤتمر الدوحة عام 2001)، بدون تحديد نسب أو مواعيد هذا الخفض، وترك ذلك للعملية التفاوضية لاحقا (حتى يتسنى بيع نفس البضاعة عشر مرات وانتزاع ثمن إضافي من الدول النامية في كل مرة، بحيث تقدم الدول النامية تنازلات تارة مقابل مبدأ خفض الدعم الداخلي، وتارة أخرى مقابل تحديد أفق زمني للخفض، وثالثة في مقابل تحديد نسب للخفض..إلخ).
د- وبالنسبة للقطن، تم الاتفاق على إلغاء دعم الصادرات عليه، وإلغاء التعريفات والحصص على صادرات الدول الأقل نموا من القطن، وأن يتم تخفيض الدعم المحلي للقطن بنسب أكبر من نسبة خفض الدعم المحلي بشكل عام (والتي لم تحدد بعد!).
هـ- ولم تقتصر المسألة على محدودية التنازلات التي قدمتها الدول المتقدمة وضبابيتها الشديدة، وإنما كان توقيت طرح هذه التنازلات بالغ الدلالة، فلم يطرحها المفوض التجاري الأوروبي إلا بشكل درامي في الساعة الأخيرة للمفاوضات حين بدأت الوفود تستعد لمغادرة هونج كونج، وبعد أن تم إنهاك الدول النامية واستخلاص أعلى مقابل منها لهذه التنازلات الضئيلة.وفي المقابل، كانت نتائج المفاوضات في قطاع الصناعة كارثية بكل المقاييس للدول النامية، فقد أسفرت عن قبول "المعادلة السويسرية" المتشددة كأساس لخفض التعريفات، وعن اعتماد التعريفات المطبقة لا المربوطة أساسا للخفض في حالة اختلافهما. وتعني هذه الرطانة الفنية ما يلي:
أ- أن تتساوى معدلات الخفض بين الدول النامية والمتقدمة، وبصرف النظر عن تباين مستوياتها الاقتصادية والتصنيعية، في إهدار واضح لمبدأ المعاملة التفضيلية والمتميزة للدول النامية المنصوص عليه في القسم الرابع من اتفاقية الجات 1994.
ب- أن يتم الخفض على جميع المنتجات الصناعية. فبدلا من الأسلوب الذي يطلب أن يكون متوسط خفض الجمارك على السلع الصناعية 10% مثلا، وبذلك يتيح للدول النامية حرية توزيع هذا المتوسط على المنتجات المختلفة بشكل يحقق حماية أعلى مثلا للصناعات التي تهمها، وخفضا أكبر في القطاعات التي لا تعنيها أو التي تستطيع المنافسة دوليا، فإن المعادلة السويسرية تصر على أن تشمل نسبة الخفض التي سيتفق عليها كل القطاعات بالتساوي، بصرف النظر عن أهميتها الاستراتيجية للدول النامية.
ج- أن يحتسب الخفض على النسب المطبقة لا المربوطة (أي المسجلة لدى منظمة التجارة العالمية). فإذا قامت دولة نامية مثلا بتطبيق تعريفة جمركية بنسبة 10% مثلا على سلعة، بينما التعريفة المنصوص عليها في جدول التزاماتها في منظمة التجارة العالمية هو 20%، الأمر الذي يتيح لها هامش حرية حركة وحق رفع المستوى المطبق في حالة وجود أزمة في هذا القطاع إلى نسبة الـ20% التي التزمت بها في المنظمة. فإن مؤتمر هونج كونج يصر على أن يتم أي خفض مستقبلي للتعريفات على المستوى المطبق (10% في مثالنا هذا) لا المستوى الموجود في جداول الالتزامات (20%)، الأمر الذي يعني شيئين:(1) زيادة معدل الخفض في التعريفات على السلع الصناعية بشكل كبير. (2) القضاء على هامش حرية الحركة الذي كانت تتمتع به الدول النامية التي تطبق تعريفات أقل من تلك المربوطة في جداول التزاماتها. ومن هنا، فإن مؤتمر هونج كونج وضع إطارا جامدا ومتشددا للخفض الجمركي على السلع الصناعية، بشكل لا تقتصر أضراره على المزيد من التحرير الجمركي لصناعات الدول النامية، وإنما يحرمها من أي حيز مستقل للمناورة في طرق تطبيق تعريفاتها الجمركية لتوفير الحماية لصناعات وليدة ناشئة، الأمر الذي يشكل تهديدا صارخا لفرصها التصنيعية في المستقبل. واستكمالا للضغط على الدول النامية، جاء التفاهم على قطاع الخدمات ليعيد النظر بشكل جذري في النمط المعتمد في المنظمة لتحرير الخدمات، والقائم على العرض والطلب، بشكل يترك لكل دولة تحديد القطاعات الخدمية التي ترغب في فتحها. فإذا كان عنوان المفاوضات في الصناعة هو تقليص حيز السياسات المستقلة الذي يمكن أن تتمتع به الدول النامية وخنق إمكانياتها التصنيعية المستقبلية، فقد كان عنوان المفاوضات في الخدمات هو الانتقال من الأسلوب البطيء والذي يتيح حرية كبيرة للدول النامية وفقا لاتفاقية الجاتس (كان اعتماد هذا الأسلوب هو الثمن الذي أصرت عليه الدول النامية في جولة أورجواي لقبول إدراج الخدمات في ولاية المنظمة)، إلى أسلوب سريع وشامل يتضمن أهدافا رقمية ويحقق من الناحية العملية مضاعفة لعروض الدول النامية. وقد صيغت النصوص الخاصة بالخدمات في الإعلان الوزاري لهونج كونج بطريقة بها درجة محدودة من الغموض، استخدمت لتسويق الموضوع لدى الدول النامية (والذي لعبت فيه الهند دورا كبيرا، يثير الشك حول مدى صلته بالاتفاق الذي توصلت إليه مع الولايات المتحدة بالنسبة للعمالة الماهرة) باعتباره غير ملزم ومتروك للدول حرية المشاركة فيه (وهو أمر موضع خلاف بين خبراء المنظمة، ولا يستبعد أن يسود لاحقا تفسير يرجح إلزامية المشاركة!). و سيتعرض الزملاء في الجزئين التاليين من الكتيب إلى تفصيل لملفات الزراعة و الصنعة و الخدمات بالتفصيل.

