عسكرة العولمة
Submitted by dina on Wed, 01/08/2007 - 18:58.
( )
( )
عسكرة العولمة
م. ممــدوح حبشــي مرحلة جديدة للرأسمالية العالميةالمقصود بمصطلح "عسكرة العولمة" هو دخول النظام الرأسمالي إلى مرحلة جديدة نوعيا في مراحل تطوره لم يعد فيها قادراً على فرض شروط الليبرالية الجديدة على صعيد عالمي من خلال وسائله "السلمية"، أي من خلال القمع الإعلامي أو ما يسمى آليات السوق الحرة والمفترض فيها تسيير كافة الأمور من تلقاء نفسها. كأن تلك اليد الخفية للسوق والتي سيرت الأمور في الماضي "بشكل سلمى في الأساس" أصبحت الآن عاجزة دون اللجوء إلى القبضة العسكرية الظاهرة لفرض شروط الليبرالية الجديدة أو لكبت جماح التناقضات المتفاقمة نتيجة هذه السياسات.ولا ترجع عسكرة النظام إلى حوادث 11 سبتمبر 2001 بل سبقتها بعقد حيث بدأت مع حرب الخليج الثانية أوائل التسعينات ثم حروب يوغوسلافيا، وان كانت حوادث 11 سبتمبر قد مثلت فعلا نقلة كيفية في هذا التطور.وعلى خلاف ادعاءات الخطاب الأيديولوجي السائد بأن لبرلة الاقتصاد والتجارة من شأنها أن تنتج ازدهارا اقتصاديا يمكن للأغلبية، إن لم يكن الجميع، الاستفادة منه وبالتالي تكرس شروط مقرطة المجتمعات وسيادة علاقات سلمية على صعيد عالمي، فإن اللبرلة قد أنتجت في واقع الأمر عكس ذلك تماما، أي مزيدا من الركود الاقتصادي صاحبه بالضرورة تفاوت متزايد في توزيع الثروة وتفاقم الفقر والتهميش الاجتماعي ومن ثم تآكل مصداقية بل وشرعية النظم السياسية هنا وهناك، أي بعبارة أخرى أنتجت اللبرلة فوضى اجتماعية وسياسية متزايدة على الأصعدة القطرية وعلى الصعيد العالمي، اقتضت بدورها تحول إدارة النظام من أشكال تعتمد بالأساس على أساليب "سلمية" إلى أشكال تلجأ إلى استخدام العنف البوليسي والعسكري. الاستعمار الجماعيتعمل عسكرة النظام في خدمة المصالح المشتركة لرأس المال المهيمن على صعيد الثالوث المكون من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. وهى ظاهرة جديدة بالفعل فالإمبريالية في العصور السابقة كان لها مراكز متعددة بحيث أن انتشارها على صعيد عالمي قد صاحبه دائما تصاعد صراعات هذه المراكز المتنافسة بين بعضها البعض، حتى أصبحت الحروب الباردة والساخنة بينها بمثابة جوهر تاريخ الإمبريالية. وقد استحدث سمير أمين تعبير "الاستعمار الجماعي"، إذ يقف هذا الثالوث السابق ذكره متكتلا في مواجهة "الجنوب" (أي تخوم المنظومة الرأسمالية العالمية).يرجع هذا التحول في هيكل الإمبريالية إلى طابع وخصوصيات العلاقات الدولية التي سادت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فاتسم النظام عندئذ بتفوق بارز وشامل للولايات المتحدة، إذ كانت مناطق المراكز الأخرى (أوروبا واليابان) قد عانت تماما من الحرب ودمرت قواها الإنتاجية، بعكس أمريكا الشمالية التي استفادت من الحرب. هذا بالإضافة إلى خوف برجوازيات العالم الرأسمالي بأجمعه من "الخطر الشيوعي" المتمثل في صلابة نظامي الاتحاد السوفيتي والصين (على الأقل ظاهريا) الأمر الذي دفع الجميع إلى قبول القيادة الأمريكية في مواجهة هذا "الخطر".لكن التطورات اللاحقة المتمثلة في تآكل مزايا الولايات المتحدة في المجال الاقتصادي وتقدم المشروعين الأوروبي والياباني وتبلورهما في قوة اقتصادية مستحدثة لا تقل فاعلية وقدرة على المنافسة عن الولايات المتحدة، قد ألغت الظروف الخاصة التي فرضت هيمنة واشنطن في أعقاب الحرب. كان المتوقع إذا أن يعود التاريخ إلى مسيرته "التقليدية" أي إلى تصاعد المنافسة الاقتصادية والسياسية بين مراكزه الرأسمالية. ولكن هذا لم يحدث، بل ما حدث إلى الآن إنما هو عكس ذلك تماما، أي مزيد من التقارب بين أطراف الثالوث وقبولها إنعاش القيادة الأمريكية على صعيد عالمي. وقد تمثلت هذه الشراكة الصلبة بين أطراف الثالوث في توحيد مواقفها في جميع المؤسسات التي تقع على عاتقها إدارة الاقتصاد العالمي (منظمة التجارة العالمية، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي)، وذلك بالرغم من التناقضات التجارية التي تظهر في بعض المجالات هنا وهناك. كما تجلى هذا التكتل أيضا في توثيق العلاقات السياسية بين أطراف الثالوث وإعطاء المؤسسة العسكرية الخاصة بها (حلف الأطلنطي) الدور الرئيسي في إدارة السياسة العالمية، الأمر الذي صاحبه تهميش دور الأمم المتحدة. لماذا حدث هذا التحول نحو الاستعمار الجماعي المذكور؟ يرى البعض إن هذا التحول هو إشارة إلى أن رأس المال – وبالتالي البرجوازية بصفتها الطبقة صاحبة المصلحة المعنية – قد انتقل بالفعل من مرحلة الوطنية إلى المرحلة المتعدية الوطنية. لكن سمير أمين لا يتفق مع تلك الظاهرة، إذ أن الشركات المتعدية الجنسية ليست كذلك من حيث الملكية والإدارة اللتان تظلان وطنيتي الطابع بالرغم من أن نشاطها يتحقق على الصعيد العالمي، ويعزى هذا التطور إلى ما ترتب من تغيرات في شروط المنافسة نتيجة تمركز رؤوس الأموال. فلكي يكون للشركة العملاقة احتمال الفوز على منافسيها يجب أن تعتمد في عملياتها على سوق يضم مالا يقل عن 600 مليون عميل محتمل. وبالتالي فالمنافسة نفسها تفترض العمل في السوق العالمية، إذ أن الرقم المذكور لحجم السوق الملائمة والمطلوبة يتجاوز سعة أي إقليم من أقاليم العالم. وهى بمثابة ظاهرة جديدة وتجل لشروط المنافسة لا سابق لهما. فالمنشأة التي استطاعت في الماضي أن تخرج فائزة في المنافسة داخل سوقها الوطنية – سواء إن كانت هذه السوق واسعة كما هو الحال في الولايات المتحدة أم متواضعة كما في دول أوروبا – أصبحت لها قدرة على المنافسة في السوق العالمية. فالفوز على الصعيد الوطني كان شرط القدرة على الفعل على الصعيد العالمي أما الآن وقد انقلبت العلاقة بين الوطني والعالمي قد أصبح الفوز في السوق العالمية هو شرط قدرة الاستمرار في السوق الوطنية.هذا هو المصدر الفعلي لكون رؤوس الأموال المهيمنة المتعدية الجنسية والخاصة بكل طرف من أطراف الثالوث قد أصبحت تشترك في جوهر مصالحها، أي أن الجميع لهم مصلحة مشتركة في إدارة السوق العالمية حتى يضمنوا فتحها لهم.غير أن هذا التطور في سعة نشاط رؤوس الأموال وتبلور شراكة المصلحة في إدارة المنظومة العالمية قد أنتج تناقضا جديدا بين المستوى الاقتصادي، وهو بعده الأساسي الذي يحكم شروط المنافسة المعولمة من جانب، وبين المستوى السياسي الذي لا يزال محبوسا داخل الحدود الوطنية من الجانب الآخر. لن يجد هذا التناقض حلا له في إطار منطق آليات الرأسمالية الاقتصادية والسياسية، فهو إذا محكوم عليه بالتصاعد المتواصل. فإما أن تفرض القوى الاجتماعية التقدمية الخروج من حدود سيادة هذا المنطق، وإما أن يستمر هذا التناقض في إنتاج فوضى ووحشية متصاعدة هي الأخرى.

