القواعد العسكرية الأمريكية في الوطن العربي
( )
"إن التواجد الأمريكي وراء البحار هو واحد من أعمق رموز التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها وأصدقائها، ومن خلال إرادتنا باستعمال القوة من أجل الدفاع عن أنفسنا وعن غيرنا، فإن الولايات المتحدة مصممة على الحفاظ على توازن للقوى يخدم الحرية. من أجل الوقوف في وجه التحديات الأمنية التي نواجهها، تحتاج الولايات المتحدة إلى قواعد ومحطات داخل ووراء أوروبا الغربية وشمال شرق آسيا وكذلك إلى ترتيبات تواجد مؤقت من أجل توفير الإمكانية لتحريك القوات الأمريكية لمسافات بعيدة."
جورج بوش، استراتيجية الأمن القومي، 20 سبتمبر 2001 "إن الحفاظ على التواجد العسكري وراء البحار هو حجر زاوية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، وأحد أهم عناصر السياسة العسكرية الأمريكية." الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في جنوب شرق آسيا، 1998 وتتطابق هذه السياسة بشكل ملفت مع مفهوم الإمبريالية القائم على فكرة ضرورة توسع النظم الرأسمالية في مرحلة من مراحلها التاريخية. وجوهر الاقتباسين - بعيدا عما يحمله من كلمات خادعة مثل (حرية، سلام، استقرار...الخ) - يؤكد أن القواعد العسكرية أداة أساسية للهيمنة الإمبريالية الأمريكية. فهي تمثل نقطة انطلاق للتدخلات العسكرية من جانب، وأساس للسيطرة على شعوب البلدان التي تتواجد فيها هذه القواعد بل والشعوب الأخرى المحيطة. ولا تستثنى الدول الحليفة من ذلك حيث تقام فيها القواعد الأمريكية بناء على اتفاق أو معاهدة أمنية، إذ يجد مواطنو هذه الدول أنفسهم تحت ضغط التواجد العسكري ويتوجب عليهم التصرف بما يخدم المصالح الاقتصادية والجيوبوليتيكية الأمريكية.وغالباً ما تستخدم مصطلحات "القواعد" و"التسهيلات العسكرية" و"استخدام التسهيلات" كمترادفات، بحيث يحل أحداهما محل الآخر، وقد لا يكون من الممكن عملياً الفصل الدقيق بين هذه المصطلحات، حيث تظل دائماً مناطق تشابك. مصطلح القاعدة الأجنبية يعني منشأة تكون السيطرة عليها مطلقة للجانب الأجنبي، سواء كان ذلك عن طريق الإجبار، أو بمقتضى معاهدة أو اتفاقية. هكذا تكون جميع المنشآت العسكرية الأجنبية فـي المستعمرات بالضرورة قواعد عسكرية أجنبية، وعادة ما يكون الأفراد القائمون بالعمل وتشغيل القاعدة الأجنبية من قوات الدول الأجنبية، إلاّ أن ذلك لا يستبعد بالضرورة وجود أفراد، أو قوات من الدولة المضيفة، يقومون بالعمل أو بتشغيل أجزاء غير رئيسية من القاعدة تحت إشراف أجنبي، كما قد يساعدون فـي حراستها. هكذا فإن صورة القاعدة العسكرية والتسهيلات العسكرية متشابهة من حيث الشكل، ولكنها مختلفة من حيث الجهة القائمة بالإدارة، أما استخدام التسهيلات فهو استخدام لمنشآت أو أماكن تحت السيادة المطلقة للدولة المضيفة لفترة من الزمن، ولغرض محدد للاستفادة من إمكاناتها، ودون أن تفقد أية درجة فـي سيادتها عليها أثناء الاستخدام.يعتبر أكثر أنماط القواعد والتسهيلات العسكرية ظهوراً، وبالتالي تهديداً للدولة المضيفة ولسيادتها وكرامتها، ذلك النمط الذي يتكون من حامية كبيرة، أو مجموعة من القواعد المخصصة للتمركز الطويل المدى للقوات والطائرات، وسفن الأسطول. وهذا النمط هو الأقرب إلى الذهن عند الحديث عن القواعد العسكرية الأجنبية فـي المفهوم الواسع لهذا المصطلح. وفي منطقتنا يعتبر الحديث عن القواعد والتسهيلات العسكرية التي منحها النظام السعودي للقوات الأمريكية هو حديث عن أكثر النماذج ظهوراً فـي العلاقات غير المتكافئة بين الدول، وهو حديث يحكي قصة التبعية التي انتهجها هذا النظام للولايات المتحدة، لتتحول إلى ثكنة عسكرية أمريكية تخزّن فـيها الأسلحة ووسائل الدمار التي أعدتها الولايات المتحدة لاستخدامها فـي المنطقة، ولنهب ثرواتها. بدلا من أن نحتفل ونحن ندخل هذا القرن بتحكيم استقلالنا، وإنهاء آخر أشكال الاستعمار والتبعية، ندخله ونحن ننام ونصبح على صوت أقدام الجنود الأمريكيون تتجول فـي أرضنا ومهما حاول رموز النظم أن يتشدقوا بالاستقلال والعلاقات المتكافئة، فإن الواقع يكشف زيف هذه الادعاءات، فالطائرات الأمريكية تحتل قواعدنا الجوية والبحرية، والقوات البرية الأمريكية تنتشر فـي طول البلاد وعرضها. التطور التاريخي للقواعد العسكرية الأمريكيةبدأت الولايات المتحدة الأمريكية إنشاء قواعدها العسكرية وراء البحار بمجرد تحولها إلى قوة إمبريالية بعد الحرب الأمريكية الأسبانية في مطلع القرن العشرين، وفي أواسط القرن، وبعد الحربين العالميتين الإمبرياليتين، أصبحت الولايات المتحدة القوة الأعظم والدولة الإمبريالية الأغنى وأخذت تنشر قواتها العسكرية في مختلف أنحاء العالم. وقد وفرت الحرب الباردة (أي التحالف ضد التهديد الشيوعي) الذريعة المثلى والأكثر قبولا للتواجد العسكري الأمريكي في الخارج، ولم يؤد انهيار الاتحاد السوفييتي وأنظمة أوروبا الشرقية في عام 1990 إلى تقليص هذا التواجد العسكري الأمريكي، بل على العكس لقد أظهرت حرب الخليج عام 1991 وتدخل الناتو في كوسوفو سنة1999 وأخيرا ضرب أفغانستان وغزو العراق نية الولايات المتحدة في توسيع وتعزيز هيمنتها التي أضحت بلا منازع عالميا. شرعت الولايات المتحدة بتوسيع وزيادة قواعدها العسكرية ورفعت من تعداد قواتها العاملة وراء البحار في بعض المناطق (أوروبا الشرقية، الشرق الأوسط)، ولو بدا أنها تخفض قواتها في مناطق أخرى (أوروبا الغربية، جنوب شرق آسيا). منذ الحادي عشر من سبتمبر2001 والولايات المتحدة تصعد من مجهودها لإحكام قبضتها على المناطق الاستراتيجية كأوروبا الشرقية وأمريكا الوسطي وغرب آسيا والشرق الأوسط)، وحاليا تخطط الولايات المتحدة لبناء قواعد في "ما وراء أوروبا الغربية وشمال شرق آسيا وحتى القارة الإفريقية.أما في المنطقة العربية فقد بدأت السياسات التدخلية للولايات المتحدة بشكل مكثف بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية النهاية للقوة الاستعمارية التي كانت تحتل الدول العربية. ومع ظهور النفط في الخليج. وقد كان إحدى نتائج الحقبة الاستعمارية أن أصبحت لدى شعوب المنطقة حساسية ورفض كامل حيال الوجود العسكري الأجنبي، باعتباره المظهر الرئيسي للاستعمار، وهكذا كان على القوى الأجنبية التي اضطرت إلى الجلاء من المنطقة أن تجد لها صيغاً جديدة لوجودها العسكري. هكذا برزت إلى الوجود صور مثل التسهيلات العسكرية، والمناورات المشتركة والتخزين المسبق للمعدات والمواد، والمساعدات الأمنية، والوجود البحري فـي المياه الدولية القريبة، لكن التسهيلات العسكرية والمناورات المشتركة عادة ما يصاحبها وجود عسكري مؤقت يمكن أن يثير المشاعر الوطنية، وانتقادات القوى المعارضة، بالإضافة إلى أنها مؤقتة ولا تنفع فـي حالة الطوارئ المفاجئة. كذلك فإن التخزين المسبق للمعدات والمواد يتطلب وجوداً عسكرياً محدوداً، ولكنه ملحوظ يمكن أن تكون له الآثار السابقة نفسها، والمساعدات الأمنية تكفل ضمانات على المدى البعيد، ولكنها قليلة الفعالية فـي الحالات الطارئة التي تتطلب إجراءات سريعة وتدخلاً فورياً من وجهة نظر القوى الأجنبية. حتى الوجود العسكري الأجنبي فـي المياه الدولية القريبة حلاً لمشكلة الحاجة إلى وجود قوات جاهزة للاستخدام فـي الحالات الطارئة، لم يكن بديلا كافيا إذ إنه يتطلب استخدام بعض التسهيلات الشاطئية وزيارة الموانئ لأغراض الصيانة والإصلاح والإمداد بالاحتياجات، وكذلك لراحة الأفراد والترويح عنهم. كما انه لا يمكن القول بأن الوجود العسكري البحري الأجنبي فـي المياه الدولية يشكل صورة جديدة من صور الوجود العسكري الأجنبي، إذا كان معروفاً حتى فـي فترة الاستعمار وما قبله، وكان الوجود العسكري البحري فـي المياه الدولية مرتبطاً فـي أحوال كثيرة بسياسة التهديد باستخدام القوة التي عرفت (بدبلوماسية البوارج) حينما كان يكفـي أن تظهر سفن أسطول الدولة الكبرى أمام سواحل الدولة، لتفهم قيادتها أنها ستتعرض لاستخدام القوة ضدها إن لم تسارع بالاستجابة لمطالب الدولة صاحبة الأسطول. ولكل الأسباب السابقة عمدت الولايات المتحدة إلى نفس أسلوب النظم الاستعمارية السابقة في المنطقة والتي انتهجتها في نهايات احتلالها لبعض الدول العربية، وهي سحب القوات وتركيزها في مناطق استراتيجية للدول المحتلة مما يعطي انطباع بزوال الاحتلال، مع بقائه كحقيقة من خلال قوات متمركزة في مناطق بعينها يمكن استخدامها عند الحاجة، أو حتى التلويح باستخدامها. معلومات عن القواعد الأمريكية في المنطقة العربيةأدت تداعيات حربي الخليج الثانية والثالثة (1991 وغزو العراق)، إلى تحول كبير في شكل الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج تحديدا في ثلاث اتجاهات:الأول: اتساع نطاق التسهيلات العسكرية المقدمة للقوات الأمريكية في قواعد ومحطات وموانئ ومطارات ومعسكرات ومراكز الغالبية العظمى من دول المنطقة ذات العلاقة بالولايات المتحدة، أو حتى بعض الدول التي لا يبدو أنه تربطها علاقات سياسية قوية بها، وتتضمن تلك التسهيلات حق استخدام المجال الجوي وزيارة الموانئ واستخدام المطارات العسكرية وعمليات النقل الجوي والانتشار المتقدم وخدمات الوقود والصيانة وتخزين الأسلحة إضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة.
الثاني: تزايد عدد القواعد العسكرية الرئيسية بشكل غير مسبوق ليصل إلى ما يقرب من 30 قاعدة ما بين برية وجوية وبحرية، وتأتى أهمية تلك القواعد من أنها تشكل مراكز عمليات عسكرية رئيسة شبه متكاملة تتمتع باستقلالية نسبية، وقدرة عامة على دعم عمليات قتال جوية أو برية أو بحرية سواء من خلال تمركز عناصر من تلك القوات فعليا فيها، أو تجهيز القاعدة لانتشارها وقت الحاجة، وتتم إدارتها بموجب اتفاقات عسكرية مع الدول المضيفة لها، ويمكِّن ذلك القوات الأمريكية من إدارة عمليات عسكرية رئيسة بشكل سريع في اتجاهات مختلفة دون حاجة لخطط حشد كبرى، أو إتمام ذلك الحشد بشكل سريع.الثالث: هذه القواعد لم تعد مجرد تواجد عسكري بشري أو بعض المعدات الحربية أيضاً، هناك تواجد لقيادة مركزية في إحدى هذه القواعد، مما يؤكد أننا لسنا أمام تواجد استُخدم للحرب ضد الإرهاب في أفغانستان ثم في العراق، وإنما نحن أمام إستراتيجية عسكرية أمريكية مخطط لها أن تكون موجودة في الشرق الأوسط لفترة طويلة.القواعد العسكرية في المنطقة العربية موزعة على دول المشرق كافة بداية من مصر وحتى البحرين باستثناء سوريا ولبنان، وبالتأكيد العراق المحتلة كامل أرضيه من قبل الولايات المتحدة.كانت التسهيلات العسكرية السعودية - ولا تزال على بعض المستويات - تمثل أقوى مواقع تواجد للقوات الأمريكية في الخليج منذ العام 1990، وتعد قاعدة الأمير سلطان الجوية جنوب الرياض هي أقوى مواقع التواجد العسكري الأمريكي في السعودية، حيث يوجد بها حيث كان تعداد الجنود فيها في عام 2003 حوالي 5100 جندي أميركي، وتضم قيادة القوات الجوية الأمريكية في الخليج التي نقلت بعض عناصرها إلى قطر، يضاف إليها 42 مقاتلة إف 15 وإف 16 وإف 117، كما تتواجد بالقاعدة نفسها عناصر عسكرية بريطانية [200 جندي] وفرنسية [130 جندي] تدعمها طائرات تورنادو وميراج، وطائرات نقل عسكرية.
إلا أنه في هذا السياق تجدر الإشارة إلى الحالة القطرية والتي كانت مركزا للعمليات إبان غزو العراق حيث مثلت قطر باتفاقيتها مع الولايات المتحدة والتي ضمنت وجودا دائما للقوات الأمريكية في قطر نقلة كبيرة في الوجود العسكري، حيث أنه من المفترض أن تسعى الدول لإنشاء قواعد في الدول الأخرى ومن أجل ذلك فإنها تقدم تنازلات ومصالح وتدفع أموالا من أجل أن توافق الدولة على تأجير قاعدة للدولة الأخرى، فمثلاً أمريكا تدفع أموالا لليونان وكوريا الجنوبية نظير تأجير قواعدها هناك، إلا أن الجديد في المسألة القطرية هي أن تكون الدولة المستضيفة هي التي تحملت كامل النفقات (ولعل هذا من باب الكرم العربي). دور القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة العربية:يمكننا رصد عدة أدوار مباشرة وغير مباشرة تلعبها هذه القواعد العسكرية فهي تعمل:1. القواعد كركيزة عسكرية:الدور الأول والأساسي لهذه القواعد هو دور عسكري كما أوضحته الاستراتيجية الأمنية الأمريكية. فهذه القواعد تمثل نقطة انطلاق للتدخلات والحروب. وقد تزايدت فاعليتها نتيجة التطور التكنولوجي للأسلحة ووسائل النقل والاتصال، فأضحت بديل فعال للتواجد المباشر في البلاد المحتلة إذ تكتفي الولايات المتحدة بإنشاء القواعد بدلا من نشر جنودها في مختلف المناطق من البلاد التي يمكن بحق وصفها بالمحتلة. فطبقا للخطط الأمريكية المساحات الأكثر بعدا في المناطق التي لا يوجد بها قواعد عسكرية يمكن الوصول لها في مدة زمنية لا تزيد علي 48 ساعة في أوقات الأزمات الطارئة، وأن هذه القوات تكون نواة لصد أعمال دفاعية قوية أو أخذ وضع الاستعداد للبدء بالهجوم في مناطق أخري. مما يمكنها من أن تحقيق السيطرة العسكرية والأمنية الأمريكية والتمكن من توجيه ضربات مبكرة لمراكز النشاط المقاوم للجماعات المناضلة وأيضا للنظم التي تعادي المصالح الاستراتيجية الأمريكية والتي يطلق عليها حملات تأديب النظم. 2. القواعد كمحرك اقتصادي:كان ريتشارد بيرسون الذي أعد المسودة الأولي لخطة التوسع في القواعد العسكرية الأمريكية قد طرح سؤالا مهما يقول: إن كل الدول التي ستجري معها المفاوضات سوف تتساءل: لماذا نقبل بالطلب الأمريكي لنشر القوات والمعدات والأجهزة الأمنية؟! ويري بيرسون أن الجواب الأمريكي يجب أن يكون اقتصاديا وليس عسكريا، لأن حكام الدول النامية لا يهمهم أن تقدم إليهم مغريات عسكرية ببناء جيوشهم وإمدادها بالمعدات الحديثة، ولكن المهم لديهم هو المعونات الاقتصادية، لأن الجانب الاقتصادي هو وحده الكفيل بأن يضمن لهم الاستقرار داخليا.إلا أن الأهم في البعد الاقتصادي هو ذلك الدور الذي تلعبه هذه القواعد في تحريك الاقتصاد الأمريكي ذاته، وذلك من خلال الشركات التي تعمل على مد هذه القواعد لما تحتاجه، بالطبع ليس فقط شركات السلاح التي تأتي في مقدمة هذه الشركات، وإنما كذلك تلك التي تمد هذه القواعد بمختلف الخدمات من اتصالات إلى ملابس إلى غذاء وصولا على مستلزمات الترفيه عن الجنود. غالبا ما يؤل هذا الدور إلى الشركات المتعدية الجنسيات والاحتكارات الدولية ومثال شركة هليبرتون في العراق، وهي الشركة التي احتكرت كل أنواع الخدمات التي تقدم للجيش الأمريكي، والتي يمتلك معظم أسهمها أعضاء بارزين في الإدارة الأمريكية خير مثال على ذلك. كما يمكنها من خلال تعاملنها مع شركات داخلية خلق طبقة جديدة تعتمد في وجودها على هذه القواعد وترتبط مصالحها معها بشدة، سواء كانت هذه الطبقة مرتبطة بالنظام في حال كونه نظام صديق للولايات المتحدة فتصبح داعما رئيسيا له. أو طبقة مناوئة للنظام إذا كان هذا النظام مصدر إزعاج بشكل أو بأخر للولايات المتحدة، أي ما يسمى في أدبيات التبعية طبقة من الكومبرادور يمكن أن تسيطر داخل الدولة وتحقق مصالح الولايات المتحدة. 3. القواعد كفاعل سياسي:حتى في البلدان التي يفترض أنها حليفة وحيث أقيمت القواعد الأمريكية بناء على اتفاق أو معاهدة أمنية، يجد المواطنون أنفسهم في الطرف الخاسر حيث يصبح التواجد العسكري وسيلة ضغط على المضيف التي يتوجب عليه التصرف فيما يخدم المصالح الاقتصادية والجيوبوليتيكية الأمريكية. أن أي تواجد أمريكي في أي دولة سيمنع النظام الحاكم الحليف أو الصديق من الانهيار ويحافظ بقدر الإمكان علي الاستقرار في تنفيذ برامج الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في هذه البلدان حسب ما ينسجم مع الأهداف الأمريكية الاستعمارية. كما سيمثل مصدرا لزعزعة الاستقرار في حالة مساس هذا النظام بمصالح الولايات المتحدة. وهو ما حدث في فنزويلا حيث أعلنت فنزويلا عن قطع التعاون العسكري بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بقرار أصدره رئيس الجمهورية هوجو شافيز حيث كان العسكريون يحرضون الجنود والمتعاملين مع القواعد العسكرية الأمريكية ضده في الثكنات العسكرية في الانقلاب الذي أدي عام 2002 إلي تنحية شافيز لساعات قليلة ثم عاد أكثر قوة منذ ذلك الحين واستطاع نتيجة لذلك أن ينتصر في انتخابات صيف 2003.وهو دور مكمل لدور الدبلوماسية حيث يجد من يمثلون الإدارة الأمريكية في هذه الدول سندا أكبر في تصرفاتهم. ففي رصد لدور الدبلوماسيون الأمريكيين في هذا الانقلاب، نجد انهم لم يكونوا أبدا وسط التحركات والمنابر السياسية في فنزويلا وإنما كانوا في الأندية الرياضية يلعبون البيس بول، وفي الأندية الموسيقية يلعبون الجيتار، يتعرفون على المجتمع في مرحلة ويحرضون على النظام في مرحلة أخرى. ومع إنهاء التعاون العسكري اختفى هؤلاء تماما، وعادوا ليظهروا في مواقعهم السياسية الطبيعية كممثلين للحكومة الأمريكية. وهو ما يؤكد أن القواعد العسكرية تؤثر في السلوك السياسي للدبلوماسية الأمريكية وتعطيها حرية حركة أكبر من تلك المفترضة.
4. القواعد كمؤثر ثقافي واجتماعي:
لم تعد الإدارة الأمريكية بحاجة إلى ستر تواجدها وفعالياتها العسكرية فـي البلاد مما أسقط ورقة التوت التي كان تستتر بها هذه النظام، فبالدخول على موقع البنتاجون يمكنك رؤية القواعد العسكرية المعلنة (وهي ليست كل القواعد) وسنجد منها قاعدتان على سبيل المثال في مصر، الذي يصر النظام المصري حتى الآن على نفي وجود أي قواعد أجنبية على أرضيه. يقول (جوزيف موينيهان): منذ سنوات عديدة شاع الاعتقاد بأن الوجود الاستعدادي العسكري الأمريكي السريع يجب أن يراعي ظروف البيئة الموجودة فـيها، بحيث لا يتم إبرازه بصورة تتسبب فـي خلق تحديات للنظام الداخلي فـي المنطقة، أو فـي مساعدة القوات (المعادية) على الإطاحة بالحكومات الصديقة. ويضيف: لقد تخلت الولايات المتحدة الأمريكية منذ حرب الخليج، بالاتفاق مع دول مجلس التعاون لدول الخليج عن مفهوم الوجود الأمريكي (المستتر) فـي منطقة الخليج، لأن تجربة الحرب واستمرار القلق بشأن عودة إيران كقوة عسكرية قد جعلا الوجود الأمريكي السريع أكثر ظهوراً وتحفزاً وذلك من خلال نشر القوات الأمريكية على أراضي دول مجلس التعاون لدول الخليج، على نطاق موسع وبشكل شبه دائم... وصارت الصحف تتحدث عن مسألة تخزين المعدات الأمريكية فـي دول مجلس التعاون لدول الخليج. هذه الاستراتيجية الجديدة من شأنها كسر مفهوم الاستقلال ونشر ثقافة تقوم على أهمية الاعتماد على الولايات المتحدة وضرورة ذلك. فكما تنشر الولايات المتحدة هذه الأفكار اقتصاديا عن طريق المعونات تنشرها عسكريا عن طريق القواعد. أي أن هذه القواعد تلعب دورا في تكريس ثقافة التبعية.
كما أن هذه القواعد تنشر نمط من الثقافة والتوترات الاجتماعية في المناطق التي تتواجد فيها ففي جنوب شرق أسيا قامت المنظمات النسوية بالاحتجاج والتظاهر ضد القواعد العسكرية الأمريكية والجنود الأمريكيين بسبب تزايد الدعارة والأمراض الجنسية علاوة على المخدرات والمشكلات الاجتماعية الأخرى المرتبطة بها. مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة:تشير المعلومات المتواجدة على مواقع عدة على شبكة الانترنت إلي خطة أمريكية جديدة تستهدف هذه المرة إفريقيا، وترشح بداية كلا من السودان وتونس والمغرب والسنغال وأوغندا والبحر الأحمر لإقامة قواعد عسكرية أمريكية علي أراضيها تمهيدا للسيطرة علي القارة الإفريقية بأسرها وفرض الوصاية الأمريكية عليها.وتري الخطة في هذا الإطار أن التواجد العسكري الأمريكي في الدول العربية ينتظر أن يزيد بنسبة 35 % في خلال السنوات الأربع القادمة مع زيادة القواعد العسكرية المؤقتة والدائمة في دول المنطقة بنسبة 25 %، وأن الخطر الرئيسي المهدد لهذه القواعد والقوات لن يكون من أراضي الدول العربية التي سيتم توفير أنظمة أمنية متطورة فيها، مثل نظام الإنذار المبكر الذي تحاول الولايات المتحدة تنفيذه في مصر. ووفقا لنفس المعلومات الأمريكية فإن أغلب الدول المطروحة في الخطة لاستقبال هذا التواجد الأمريكي تتضمن كافة الدول العربية عدا سوريا وليبيا، وأغلبية الدول الإفريقية والعديد من الدول الآسيوية وحتى الأوروبية وذلك وفقا لخطة أمنية شاملة تمكن القوات الأمريكية من الانتشار في العالم بأسره. وذلك من خلال شكل دائرة كبيرة تحوي دوائر صغيرة للوصول إلي أي نقطة في العالم في وقت الأزمات وبفترة إعداد عسكري أمريكي لا تزيد علي الشهر في أحسن الأحوال. فكرة البنتاجون الأساسية تقوم علي أن كل دولة في خريطة أكبر تقابلها دولة في خريطة أصغر منها مباشرة والأخيرة تقابلها دولة في خريطة أصغر، وهكذا. فمثلا مصر دولة في خريطة دائرية أكبر، تقابلها ليبيا في خريطة دائرية أصغر، تقابلها السودان في خريطة أصغر، تقابلها إثيوبيا في خريطة دائرية أصغر، والأخيرة تقابلها اليمن في خريطة دائرية أصغر وهكذا. فمصر علي سبيل المثال إذا تقرر أن تتواجد بها قوات أمريكية فإن النقطة الأصغر التي تقابلها ليبيا علي سبيل المثال سيتم نشر قواعد ومعدات أمريكية فيها، كذلك فإن النقطة الأصغر في الدائرة الثالثة السودان علي سبيل المثال سيتم نشر مكاتب أو أجهزة أمنية فيها، وهذا هو ما يعبر عنه البنتاجون بمجموع التوافق الاستراتيجي الذي يؤدي إلي ربط المناطق الاستراتيجية ببعضها.يلاحظ هنا أن ذلك يعني أن البنتاجون لم يعد يقسم دول العالم مرتبة علي الخرائط الدائرية الأمريكية حسب الارتباط الأمني بها والمصالح الأمريكية فيها، بل هناك ثلاثة تقسيمات أساسية وضعها البنتاجون لخطته العسكرية وهي:· دول ذات ارتباط أمني كبير ومصالح أمريكية عظمي وهذه سوف تتواجد فيها قوات أمريكية بشكل مباشر.· دول ذات ارتباط أمني أقل ومصالح أمريكية قوية وهذه ستتواجد فيها معدات أمريكية.
· دول ذات ارتباط أمني ضعيف ومصالح أمريكية ضعيفة وهذه ستتواجد بها أجهزة أمنية أو مكاتب لأجهزة أمنية.
الجدير بالذكر أن هذه الخطة ركزت علي دور مصر باعتبارها من أكثر المواقع الاستراتيجية أهمية خاصة بالنسبة لأمن البحر الأحمر، حيث تقترح أن تجري ممارسة الضغوط علي مصر لإقناعها بالسماح بإقامة المركز الرئيسي للقيادة الأمريكية لإفريقيا في إحدى مدن البحر الأحمر المصرية، أو في المنطقة الجنوبية من مصر. وتشير المعلومات إلي أنه علي الرغم من الاهتمام الاستراتيجي بمصر إلا أنها تعد من الدول القليلة في العالم التي ستحاول الولايات المتحدة أحاطتها بالقواعد والقوات من دول أخري. وسوف تكون السودان هي المرتكز الرئيسي لاحاطة مصر بالقوات والمعدات الأمريكية، خاصة أن السودان تشكل احدي النقاط الاستراتيجية المهمة في إطار هذه الخطة.كما تطرح هذه المخططات ضرورة إنشاء قواعد عسكرية متنقلة mobile basis في هذه الخطوط بالإضافة إلي أن الطائرات وأجهزة الرادار الأمريكية ستكون هي المسئول الأول عن التأمين الاستراتيجي في خطوط العرض الجديدة. خاتمة:منذ تحولت الولايات المتحدة إلى قوة إمبريالية وحيثما بدأت بإنشاء القواعد العسكرية وراء البحار وهذه القواعد عنوان لاحتجاجات الشعبية هي في الأغلب ضد خرق سيادة البلاد الوطنية ووحدتها الإقليمية، حيث أن دخول القوات الأمريكية مرتبط أحيانا بتدخل عسكري أو عدوان خارق للشرعية الدولية واحتلال واستعمار. هذا تصاعد مع السياسة والممارسات الأمريكية التي تمنع تعقب جنودها قانونيا في حال قيامهم بمخالفات جنائية حسب قانون البلد المضيف. فعلى سبيل المثال يتحدث تقرير من كوريا الجنوبية عن عشرة آلاف قضية جنائية تورط فيها جنود أمريكيون على مدى الخمسين عاما الماضية بمتوسط أربعمائة جرم في السنة ولم يتم البت بأي منها حسب القانون الكوري.بالرغم من كل ذلك ظلت تلك الاحتجاجات متفرقة وغير دائمة ولم تتجاوز المستوى المحلي، وغالبا اندلعت تلك الاحتجاجات وجذبت الاهتمام العالمي في حالات قام فيها الجنود بأعمال إجرامية أو في أماكن وجدت فيها حركات محلية قوية مناهضة للقواعد، ولكنها عادة ما خمدت وتم طيّ الموضوع. كل تلك الحالات تم النظر إليها كقضايا محلية ولم يتم التعامل معها في إطار مساعي الهيمنة الأمريكية على العالم.لكل هذا نحتاج اليوم إلى حملة عالمية متناسقة ومستمرة ضد القواعد العسكرية الأمريكية وكل أشكال التواجد العسكري الأمريكي وراء البحار، حركة ترفع مستوى الاحتجاجات ضد الحرب وضد القواعد العسكرية إلى مستوى حركة عالمية مناهضة للإمبريالية الأمريكية، وبناء على هذا يتوجب علينا أن نبدأ حملات كبرى على المستويين المحلي والعالمي بما يتناسق مع نضالنا ضد الإمبريالية في كل مكان. _________________________المصادر:- تقرير: مكتب المعلومات الخاص بمكتب الرئيس الأمريكي http://www.palintefada.com/- http://www.ghroob.com/vb/printthread.php?t=15661- http://www.antiimperialista.org/index.php?option=com_content&task=view&id=4019&Itemid=124- الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في جنوب شرق آسيا، 1998 -SIPRI YEARBOOK 2004, armaments, disarmament and international security,- أطلس العولمة، le monde diplomatique، ديسمبر 2003.- العولمة والإرهاب، نعوم تشومسكي وآخرون، مدبولي 2003.

