خاتمة
( )
د. ياسر علويللإجابة عن سؤال "ماذا بعد؟" شقان، يتعلق أولهما بآفاق التحرك الجنوبي في إطار جولة المفاوضات القائمة، بينما يجيب ثانيهما عن القضية الأهم وهي المهام المطلوبة داخل وخارج المنظمة بشكل عام للمساهمة في بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر تحررا وإنسانية. بالنسبة للشق الأول، فيتضح من العرض السابق أن جولة الدوحة "التنموية" كانت أي شيء آخر ولكنها لم تكن بأي حال من الأحوال "تنموية". فعنوان الجولة الحقيقي هو مسيرة طويلة لتكبيل قدرة الدول النامية على المناورة بسياساتها الاقتصادية لتحسين موقعها في تقسيم العمل الدولي، ونزع متدرج لأي هوامش حرية قد تكون قد احتفظت بها إلى الآن برغم أنف منظمات "بريتون وودز". ومن ثم فإن أي مقاومة لهذه المسيرة ينبغي أن ترتكز على ثلاث ركائز أساسية، هي
أ- رفض مفهوم الصفقة التفاوضية السائد، الذي يكرس مقايضة الزراعة بالصناعة. ففضلا عن التباين بين نوعية ومعدلات التنازلات المقدمة في القطاعين، فإن هذه المقايضة تكرس وضعية شاذة تفترض أن الدول النامية ليس لديها ما تجنيه سوى في الزراعة، وكأننا عدنا إلى ما قبل باندونج، لنرى أن الدول النامية "خلقت" للزراعة، أو بالرطانة الأحدث "تمتلك ميزة نسبية في القطاع الزراعي لا الصناعي"! فأي تنازلات تفاوضية ينبغي أن تتم داخل القطاعات لا بينها وحسب. باختصار، فالمطلوب العودة لموقف الدول النامية قبل صفقة يوليو.
ب- التحرك جماعيا للتنصل من عدد من الالتزامات التي تمخضت عن هونج كونج (وبخاصة في القطاع الصناعي والخدمات)، وهو ما يمكن أن يتخذ أحد شكلين: إما شكل جذري يتمثل في رفض جماعي لما خرج عن هونج كونج والدفع بأنه لم يعبر عن توافق تام (استنادا إلى قيام الوفدين الكوبي والفنيزويلي بتسجيل تحفظاتهما على الإعلان الوزاري لمؤتمر هونج كونج خلال الجلسة الختامية، وهو ما يمكن أن يشكل أساسا للطعن في عدم تمثيلها للتوافق العام، ومدخلا للتنصل من قسم على الأقل مما جاء فيها)، أو شكل أقل جذرية يتمثل في التعنت عند مناقشة تفاصيل تنفيذ ما ورد في الإعلان في القطاعين الصناعي والخدمي بشكل يفرغهما من أي مضمون أو قابلية للتطبيق.
ج- استعادة فورية للمطالب التي قدمتها الدول النامية في بداية جولة الدوحة (الخاصة بقضايا التنفيذ) وتم تهميشها بإغراقها في مناقشات فنية عقيمة تمهيدا لتجاهلها كلية، والإصرار على أن تكون جزءا من أي صفقة تفاوضية خلال الجولة.على أن هذه المطالب كلها لا تعدو أن تكون أدوات لوقف الخسائر أو تقليل حجمها. فالمنظمة بوضعها الحالي (القائم على اتفاقات جولة أورجواي) مجحفة بما فيه الكفاية بالجنوب، ولا تحتاج لجولة إضافية لتكون معرقلة لآفاق التحرر والتنمية في الجنوب. ومن هنا، فإن أي تحرك تحرري للجنوب تجاه المنظمة، ينبغي أن يمر بمرحلتين:
أ- المرحلة الأولى تتمثل في تعطيل التوسع المطرد في ولاية المنظمة وحجم التزامات الجنوب داخلها، وهو ما يتطلب بكل صراحة إفشال جولة المفاوضات الحالية، التي لا يوجد فيها أي شيء حقيقي للجنوب. فجوهرها قتل هوامش الحرية لدول الجنوب، وأقصى ما يمكن تحقيقه فيها هو إبطاء معدلات هذا القتل! ولنستعد المبدأ التفاوضي الشهير بأنه "لا اتفاق على الإطلاق خير من اتفاق سيء". والمسألة لا تتطلب أكثر من التشدد في مطالب الدول النامية الأصلية في بداية الجولة وقبلها، لإفشال الاتفاق. فمجرد تماسك الجنوب وتمسكه بمطالبه الأصلية كفيل بإفشال الجولة الحالية.
ب- المرحلة الثانية تنتقل إلى هجوم مضاد من خلال تمرد جماعي لدول الجنوب على مستوى الاتفاقات الحالية (اتفاقات أورجواي) والمطالبة بإعادة النظر فيها لتفعيل الفقرات التنموية المصاغة بأشكال غير إلزامية في كل الاتفاقات، بالإضافة إلى إعادة النظر في البنود والاتفاقات التي أثبتت تجربة تطبيقها وجود تأثيرات كارثية على مجتمعات الجنوب (وفي القلب منها بطبيعة الحال اتفاقية التريبس).ومن الأهمية إدراك أن دول الجنوب – بظروفها الداخلية والدولية – لا يتوقع أن تأخذ زمام المبادرة طوعا في المرحلة الحالية للقيام بمثل هذا التحرك التحرري، وهو ما يطرح السؤال حول الدور الذي تلعبه حركات المجتمع المدني العالمي لجعل الحلم باقتصاد عالمي أكثر إنسانية ممكنا. وفي هذا الإطار، يمكن إيجاز مهام التحرك المطلوبة في ثلاثة عناوين أساسية:
أ- كسر احتكار الفنيين لموضوعات منظمة التجارة العالمية. فالقضايا التي تتناولها تمس حياة الشعوب، ومن غير المبرر أن ينفرد بها مجموعة من الفنيين. وتقتضي هذه المهمة برنامج عمل تعليمي وتحريضي للتعريف بالمنظمة، وبما لدينا لنخسره في كل اتفاقية من اتفاقياتها، وتوسيع جبهة المقاومة ضدها. ويمكن أن يتراوح العمل هنا بين إصدار النصوص الشارحة التي تكشف ما وراء الرطانة الفنية من مصالح وسياسات، إلى إعداد برامج تعليم موازية حول المنظمة (مثال: في الجامعة العمالية، وداخل النقابات، وفي منظمات المجتمع المدني) وتوسيع قاعدة المشاركة في مناقشة أعمال المنظمة وأي مفاوضات داخلها لتشمل المصالح القطاعية المختلفة (من نقابات واتحادات عمالية ومنظمات مجتمع مدني... إلخ)، بما يخلق قوة شعبية ضاغطة على المفاوضات والمفاوضين.
ب- تفادي السقوط في فخ "اللامبالاة الراديكالية"، بمعنى التذرع بكون المنظمة مجحفة وأنها رأس حربة لنظام اقتصادي متوحش، لتجاهلها أو الاكتفاء بالتنديد العام بها كجزء من التنديد بالنظام الرأسمالي الظالم، وبدون بلورة مواقف تكتيكية منها في كل مرحلة (التحركات الدفاعية تجاه فرض التزامات جديدة في المفاوضات، التحرك الهجومي لبلورة مطالب خاصة بإعادة النظر في اتفاقاتها، إعداد استراتيجيات مرحلية لتعطيل تقدم المنظمة، ثم تعطيل عملها كله... إلخ)، بالتوازي مع الجهود التأسيسية لبلورة بدائل أكثر شمولا لاقتصاد يستعيد الإنسان كغاية ومركز للعملية الاقتصادية، لا مجرد رقم فيها.

